فصل: قال ابن عاشور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الشنقيطي:

{وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ}.
قوله: {عَنَتِ} أي ذلت وخضعت. تقول العرب: عنا يعنو عنوًا وعناء: إذ ذلك وخضع، وخشع. ومنه قيل للأسير عان. لذله وخضوعه لمن أسره. ومنه قول أمية بن أبي الصلت الثقفي:
مليك على عرش السماء مهيمن ** لعزته تعنو الوجوه وتسجد

وقوله أيضًا:
وعنا له وجهي وخلقي كله ** في الساجدين لوجهه مشكورًا

واعلم أن العلماء اختلفوا في هذه الآية الكريمة، فقال بعضهم: المراد بالوجوه التي ذلت وخشعت للحي القيوم: وجوه العصا خاصة وذلك يوم القيامة: وأسند الذل والخشوع لوجوههم، لأن الوجه تظهر فيه آثار الذل والخشوع. ومما يدل على هذا المعنى من الآيات القرآنية قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ} [الملك: 27] الآية، وقوله: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} [القيامة: 24-25]، وقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تصلى نَارًا حَامِيَةً} [الغاشية: 2-4]، وعلى هذا القول انتصر الزمخشري واستدل له ببعض الآيات المذكورة.
وقال بعض العلماء {وَعَنَتِ الوجوه}: أي ذلت وخضعت وجوه المؤمنين لله في دار الدنيا، وذلك بالسجود والركوع. وظاهر القرآن يدل على أن المراد الذل والخضوع لله يوم القيامة، لأن السياق في يوم القيامة، وكل الخلائق تظهر عليهم في ذلك اليوم علامات الذل والخضوع لله جل وعلا.
وقوله في هذه الآية: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} قال بعض العلماء: أي خسر من حمل شركًا. وتدل لهذا القول الآيات القرآنية الدالة على تسمية الشرك ظلمًا. كقوله: {إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]، وقوله: {والكافرون هُمُ الظالمون} [البقرة: 254]، وقوله: {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظالمين} [يونس: 106]، وقوله: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} يعم الشرك وغيره من المعاصي. وخيبة كل ظالم بقدر ما حمل من الظلم، والعلم عند الله تعالى.
وقوله في هذه الآية الكريمة: {لِلْحَيِّ القيوم} الحي: المتصف بالحياة الذي لا يموت أبدًا. والقيوم صيغة مبالغة. لأنه جل وعلا هو القائم بتدبير شؤون جميع الخلق. وهو القائم على كل نفس بما كسبت. وقيل: القيوم الدائم الذي لا يزول.
{وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112)}.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من يعمل من الصالحات وهو مؤمن بربه فإنه لا يخاف ظلمًا ولا هضمًا. وقد بين هذا المعنى في غير هذا الموضع. كقوله تعالى: {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40]، وقوله: {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئًا ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44]، وقوله تعالى: {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49] إلى غير ذلك من الآيات، كما قدمنا ذلك.
وفرق بعض أهل العلم بين الظلم والهضم: بأن الظلم المنع من الحق كله. والهضم: النقص والمنع من بعض الحق. فكل هضم ظلم، ولا ينعكس. ومن إطلاق الهضم على ما ذكر قول المتوكل الليثي:
إن الأذلة واللئام لمعشر ** مولاهم المتهضم المظلوم

فالمتهضم: اسم مفعول تهضمه إذا اهتضمه في بعض حقوقه وظلمه فيها. وقرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا ابن كثير {فَلاَ يَخَافُ} بضم الفاء وبألف بعد الخاء مرفوعًا ولا نافية. أي فهو لا يخاف، أو فإنه لا يخاف. وقرأ ابن كثير «فلا يخف» بالجزم من غير ألف بعد الخاء. وعليه فلا ناهية جازمة المضارع. وقول القرطبي في تفسيره: إنه على قراءة ابن كثير مجزوم. لأنه جواب لقوله: {وَمَن يَعْمَلْ} غلط منه رحمه الله. لأن الفاء في قوله: {فَلاَ يَخَافُ} مانعة من ذلك. والتحقيق هو ما ذكرنا من أن لا ناهية على قراءة ابن كثير، والجملة الطلبية جزاء الشرط، فيلزم اقترانها بالفاء. لأنها لا تصلح فعلًا للشرط كما قدماه مرارًا.
وقوله تعالى: {وكذلك أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد} الآية.
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
قوله تعالى: {وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ أن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}.
كان النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه جبريل بالوحي كلما قال جبريل آية قالها معه صلى الله عليه وسلم من شدة حرصه على حفظ القرآن. فأرشده الله في هذه الآية إلى ما ينبغي. فنهاه عن العجلة بقراءة القرآن مع جبريل، بل أمره أن ينصت لقراءة جبريل حتى ينتهي، ثم يقرؤه هو بعد ذلك، فإن الله ييسر له حفظه. وهذا المعنى المشار إليه في هذه الآية أوضحه الله في غير هذا الموضع. كقوله في «القيامة»: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 16-19] وقال البخاري في صحيحه: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو عوانة قال: حدثنا موسى بن أبي عائشة قال: حدثنا سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} قال: كان رسول الله صلى الله لعيه وسلم يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما. وقال سعيد: أنا أحركمهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه. فأنزل الله تعالى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} قال: جمعه لك في صدرك، ونقرأه {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ} قال: فاستمع له وأنصبت {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} ثم علينا أن نقرأه. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع. فإذا انطلق جبريل قرأه النَّبي صلى الله عليه وسلم كما قرأه. اهـ.

.قال ابن عاشور:

وجملة {وعَنَتتِ الوجوهُ للِحَيّ القيُّوم}.
معطوفة على جملة {وخَشَعَتتِ الأصواتُ للرحمن}، أي ظهر الخضوع في الأصوات والعناء في الوجوه.
والعناء: الذلة، وأصله الأسر، والعاني: الأسير.
ولما كان الأسير ترهقه ذلة في وجهه أسند العناء إلى الوجوه على سبيل المجاز العقلي، والجملة كلها تمثيل لحال المجرمين الذين الكلام عليهم من قوله: {ونحشر المجرمين يومئذ رزْقًا} [طه: 102]، فاللاّم في {الوجوه} عوض عن المضاف إليه، أي وجوههم، كقوله تعالى: {فإن الجحيم هي المأوى} [النازعات: 39] أي لهم.
وأما وجوه أهل الطاعات فهي وجوه يومئذ ضاحكة مستبشرة.
ويجوز أن يجعل التعريف في {الوجوه} على العموم، ويراد بعنت خضعت، أي خضع جميع الناس إجلالًا لله تعالى.
والحيُّ: الذي ثبت له وصف الحياة، وهي كيفية حاصلة لأرقَى الموجودات، وهي قوّة للموجود بها بقاء ذاته وحصول إدراكه أبدًا أوْ إلى أمد مّا.
والحياة الحقيقية هي حياة الله تعالى لأنّها ذاتية غير مسبوقة بضدها ولا منتهية.
والقيوم: القائم بتدبير النّاس، مبالغة في القَيّم، أي الذي لا يفوته تدْبير شيء من الأمور.
وتقدم {الحي القيوم} في سورة البقرة (255).
وجملة {وقد خَابَ من حَمَلَ ظُلْمًا}؛ إما معترضة في آخر الكلام تفيد التعليل إن جُعل التعريف في {الوجوه} عوضًا عن المضاف إليه، أي وجوه المجرمين.
والمعنى: إذ قد خاب كلّ من حمل ظلمًا؛ وإما احتراس لبيان اختلاف عاقبة عناء الوجوه، فمن حمل ظلمًا فقد خاب يومئذ واستمر عناؤه، ومن عمل صالحًا عاد عليه ذلك الخوف بالأمن والفرح.
والظلم: ظلم النفس.
وجملة {ومَن يعمل من الصالحاتت وهو مؤمنٌ} الخ: شرطية مفيدة قسيم مضمون جملة {وقَدْ خَابَ من حَمَل ظُلمًا}.
وصيغ هذا القسيم في صيغة الشرط تحقيقًا للوعد، و{فلا يخاف} جواب الشرط، واقترانه بالفاء علامة على أن الجملة غير صالحة لموالاة أداة الشرط، فتعين؛ إما أن تكون {لا} التي فيها ناهية، وإما أن يكون الكلام على نيّة الاستئناف.
والتقدير: فهو لا يخاف.
وقرأ الجمهور فلا يخاف بصيغة المرفوع بإثبات ألف بعد الخاء، على أن الجملة استئناف غير مقصود بها الجزاء، كأن انتفاء خوفه أمر مقرر لأنه مؤمن ويعمل الصالحات.
وقرأه ابن كثير بصيغة الجزم بحذف الألف بعد الخاء، على أن الكلام نهي مستعمل في الانتفاء.
وكتبت في المصحف بدون ألف فاحتملت القراءتين.
وأشار الطيبي إلى أن الجمهور توافق قوله تعالى: وقد خاب من حمل ظلمًا في أن كلتا الجملتين خبرية.
وقراءة ابن كثير تفيد عدم التردد في حصول أمنه من الظلم والهضم، أي في قراءة الجمهور خصوصية لفظية وفي قراءة ابن كثير خصوصية معنوية.
ومعنى {لا يخاف ظلمًا} لا يخاف جزاء الظالمين لأنّه آمن منه بإيمانه وعمله الصالحات.
والهضم: النقص، أي لا ينقصون من جزائهم الذي وُعدوا به شيئًا كقوله: {وإنّا لموفُّوهم نصيبهم غير منقوص} [هود: 109].
ويجوز أن يكون الظلم بمعنى النقص الشديد كما في قوله: {ولم تَظْلم منه شيئًا} [الكهف: 33]، أي لا يخاف إحباط عمله، وعليه يكون الهضم بمعنى النقص الخفيف، وعطفه على الظلم على هذا التفسير احتراس.
{وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}.
عطف على جملة {كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق} [طه: 99]، والغرض واحد، وهو التنويه بالقرآن.
فابتدىء بالتنويه به جزئيًا بالتنويه بقصصه، ثمّ عطف عليه التنويه به كليًّا على طريقة تشبه التذييل لما في قوله: {أنزلناه قرآنًا عربيًا} من معنى عموم ما فيه.
والإشارة ب {كذلك} نحوُ الإشارة في قوله: {كذلك نقص عليك}، أي كما سمعته لا يُبين بأوضح من ذلك.
و{قرآنًا} حال من الضمير المنصوب في {أنزلناه}.
وقرآن تسمية بالمصدر.
والمراد المقروء، أي المتلو، وصار القرآن علمًا بالغلبة على الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بألفاظ معينة متعبّدًا بتلاوتها يعجز الإتيان بمثل سورة منها.
وسمي قرآنًا لأنه نظم على أسلوب تسهل تلاوته.
ولوحظ هنا المعنى الاشتقاقي قبل الغلبة وهو ما تفيده مادة قرأ من يسر تلاوته؛ وما ذلك إلاّ لفصاحة تأليفه وتناسب حروفه.
والتنكير يفيد الكمال، أي أكمل ما يقرأ.
و{عربيًا} صفة {قرآنًا}.
وهذا وصف يفيد المدح، لأنّ اللغة العربية أبلغ اللّغات وأحسنها فصاحة وانسجامًا.
وفيه تعريض بالامتنان على العرب، وتحميق للمشركين منهم حيث أعرضوا عنه وكذبوا به، قال تعالى: {لقد أنزلنا إليكم كتابًا فيه ذكركم أفلا تعقلون} [الأنبياء: 10].
والتصريف: التنويع والتفنين.
وقد تقدّم عند قوله تعالى: {انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون} في سورة الأنعام (46)، وقوله: {ولقد صرفنا} في هذا القرآن ليذكروا في سورة الإسراء (41).
وذكر الوعيد هنا للتهديد، ولمناسبة قوله قبله {وقد خاب من حمل ظلمًا} [طه: 111].
والتقوى: الخوف.
وهي تستعمل كناية عن الطاعة لله، أي فَعلْنا ذلك رجاء أن يؤمنوا ويطيعوا.
والذكر هنا بمعنى التذكر، أي يُحدث لهم القرآن تذكرًا ونظرًا فيما يحق عليهم أن يختاروه لأنفسهم.
وعبر ب {يحدث} إيماء إلى أن الذكر ليس من شأنهم قبل نزول القرآن، فالقرآن أوجد فيهم ذكرًا لم يكن من قبل، قال ذو الرمة:
ولما جرت في الجزل جريًا كأنه ** سنا الفجر أحدثنا لخالقها شُكرًا

ولعل للرجاء، أي إن حال القرآن أن يقرّب الناس من التقوى والتذكر، بحيث يمثَّل شأن من أنزله وأمر بما فيه بحال من يرجو فيلفظ بالحرف الموضوع لإنشاء الرجاء.
فحرف لعل استعارة تبعية تنبىء عن تمثيلية مكنية، وقد مضى معنى لعل في القرآن عند قوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} في سورة البقرة (21).
وجملة {فتعالى الله الملك الحق} معترضة بين جملة {وكذلك أنزلناه} وبين جملة {ولا تعجل بالقرآن}.
وهذا إنشاء ثناء على الله منزل القرآن وعلى منة هذا القرآن، وتلقين لشكره على ما بيّن لعباده من وسائل الإصلاح وحملهم عليه بالترغيب والترهيب وتوجيهه إليهم بأبلغ كلام وأحسن أسلوب فهو مفرع على ما تقدم من قوله: {وكذلك أنزلناه قرآنًا عربيًا} إلى آخرها.
والتفريع مؤذن بأن ذلك الإنزال والتصريف ووسائل الإصلاح كلّ ذلك ناشىء عن جميل آثار يشعر جميعها بعلوه وعظمته وأنه الملك الحق المدبر لأمور مملوكاته على أتم وجوه الكمال وأنفذ طرق السياسة.
وفي وصفه بالحق إيماء إلى أن مُلك غيره من المتَسَميّن بالملوك لا يخلو من نقص كما قال تعالى: {الملك يومئذ الحق للرحمان} [الفرقان: 26].
وفي الحديث: «فيقول الله أنا الملِكُ أيْنَ ملوك الأرض» أي أحضروهم هل تجدون منهم من ينازع في ذلك، كقول الخليفة معاوية حين خطب في المدينة: يا أهل المدينة أين علماؤكم.
والجمع بين اسم الجلالة واسمه {المَلِك} إشارة إلى أن إعظامه وإجلاله مستحَقّان لذاته بالاسم الجامع لصفات الكمال، وهو الدال على انحصار الإلهيّة وكمالها.
ثمّ أتبع ب {الحق} للإشارة إلى أن تصرفاته واضحة الدلالة على أن ملكه ملك حق لا تصرف فيه إلاّ بما هو مقتضَى الحكمة.
والحق: الذي ليس في ملكه شائبة عجز ولا خضوع لغيره، وفيه تعريض بأن ملك غيره زائف.
وفي تفريع ذلك على إنزال القرآن إشارة أيضًا إلى أن القرآن قانون ذلك الملك، وأن ما جاء به هو السياسة الكاملة الضامنة صلاح أحوال متبعيه في الدنيا والآخرة.
وجملة {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} ناشئة على ما تقدم من التنويه بالقرآن وما اشتمل عليه من تصاريف إصلاح الناس.
فلمّا كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على صلاح الأمّة شديد الاهتمام بنجاتهم لا جرم خطرت بقلبه الشريف عَقِب سماع تلك الآيات رغبةٌ أو طِلْبة في الإكثار من نزول القرآن وفي التعجيل به إسراعًا بعِظة الناس وصلاحهم، فعلمه الله أن يكِل الأمر إليه فإنه أعلم بحيث يناسب حال الأمة العامَّ.
ومعنى {من قبل أن يقضى إليك وحيه} أي من قبل أن يتم وحي ما قضي وحيه إليك، أي ما نُفذ إنزاله فإنه هو المناسب.
فالمنهي عنه هو سؤال التعجيل أو الرغبة الشديدة في النفس التي تشبه الاستبطاء لا مطلق مودة الازدياد، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن قصة موسى مع الخضر عليهما السلام: «ودَدنا أن موسى صبَر حتى يقص الله علينا من أمرهما أو من خبرهما».
ويجوز أن يكون معنى العجلة بالقرآن العجلة بقراءته حال إلقاء جبريل آياته.
فعن ابن عبّاس: كان النبي يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل حرصًا على الحفظ وخشية من النسيان فأنزل الله {ولا تعجل} بالقرآن الآية.
وهذا كما قال ابن عبّاس في قوله تعالى: {لا تُحرّكْ به لسانك لتعجلَ به} [القيامة: 16] كما في صحيح البخاري.
وعلى هذين التأويلين يكون المراد بقضاء وحيه إتمامه وانتهاؤه، أي انتهاء المقدار الذي هو بصدد النزول.
وعن مجاهد وقتادة أن معناه: لا تعجل بقراءة ما أُنزل إليك لأصحابك ولا تُمْلِه عليهم حتى تتبين لك معانيه.
وعلى هذا التأويل يكون قضاء الوحي تمام معانيه.
وعلى كلا التفسيرين يجري اعتبار موقع قوله: {وقل رب زدني علمًا}.
وقرأ الجمهور يُقضى بتحتية في أوله مبنيًا للنائب، ورفع وحيُه على أنه نائب الفاعل.
وقرأه يعقوب بنون العظمة وكسر الضاد وبفتحة على آخر نقضي وبنصب وحيَه.
وعطف جملة {وقل رب زدني علمًا} يشير إلى أن المنهي عنه استعجال مخصوص وأن الباعث على الاستعجال محمود.
وفيه تلطف مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتبع نهيه عن التعجل الذي يرغبه بالإذن له بسؤال الزيادة من العلم، فإن ذلك مجمع كل زيادة سواء كانت بإنزال القرآن أم بغيره من الوحي والإلهام إلى الاجتهاد تشريعًا وفهمًا، إيماء إلى أن رغبته في التعجل رغبة صالحة كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بَكر حين دخل المسجد فوجد النبي راكعًا فلم يلبث أن يصل إلى الصف بل ركع ودَبّ إلى الصف راكعًا فقال له: «زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ». اهـ.